محمد جمال الدين القاسمي

207

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بالعيال وقلة المال . والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ، ويضم إليها ما يحبطها ، كرياء وإيذاء ، في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة ، واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه كَذلِكَ أي مثل هذا البيان يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ أي فيها . فتعتبرون بها . وروى البخاري « 1 » في التفسير عن عبيد بن عمير قال : قال عمر رضي اللّه تعالى عنه يوما لأصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : فيم ترون هذه الآية نزلت : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ؟ قالوا : اللّه أعلم ، فغضب عمر فقال : قولوا نعلم أو لا نعلم . فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين . قال عمر : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك . قال ابن عباس ضربت مثلا لعمل . قال عمر : أيّ عمل ؟ قال ابن عباس لعمل . قال عمر لرجل غنيّ يعمل بطاعة اللّه عزّ وجلّ . ثم بعث اللّه له الشيطان فعمل بالمعاصي . حتى أغرق أعماله . ( قال ابن كثير وهو من أفراد البخاريّ ) ولابن جرير من طريق عطاء عن ابن عباس معناه : أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل الخير حتى إذا كان حين فني عمره ختم ذلك بعمل أهل الشقاء فأفسد ذلك فأحرقه . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 267 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ هذا بيان لحال ما ينفق منه ، إثر بيان أصل الإنفاق وكيفيته . أي : أنفقوا من جياد ما كسبتم لقوله تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : 92 ] . فمقتضى الإيمان الإنفاق من الجيد . لا سيما ما يطلب به رضا اللّه وتثبيت النفس . وفي الأمر إشعار بأنه إنما يمثل بالزرع المنبت سبع سنابل ، أو بالجنة بربوة ، ما أنفق من الجيد وَمِمَّا أي ومن طيبات ما أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ من الحبوب والثمار وَلا تَيَمَّمُوا أي لا تقصدوا الْخَبِيثَ أي الرديء من أموالكم ، مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي بقابليه ( يعني الرديء ) إذا أهدي إليكم إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي : إلا بأن تتسامحوا

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 47 - باب قوله أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ . . . إلى قوله : تَتَفَكَّرُونَ .